الاستراتيجيّة الدفاعيّة : بعض التصويبات الضروريّة

نشر في جريدة السفير في 06 حزيران 2008

فادي عساف

المصطلحات:

بانتظار طاولة الحوار الوطني، يدور داخل الطبقة السياسيّة اللبنانيّة نقاش جانبي وربّما هامشي للأسف حول الاستراتيجيّة الدفاعيّة التي يجب أن يعتمدها لبنان. كثرت المصطلحات والجوهر يبقى في الإجابة على سؤال بديهي: ما العمل لتمكين الدولة اللبنانيّة من ان تقوم بواجبها السيادي في تأمين سلامة الأراضي اللبنانيّة وأمن اللبنانيين؟ سياسة دفاعيّة، استراتيجيّة دفاعيّة، استراتيجيّة امنيّة، عقيدة قتاليّة، منظومة دفاعيّة الخ. وإن تعددت فهذه المصطلحات عموماً لا تتناقض فيما بينها إنّما هي قد تكون متكاملة؛ ولكن هذه المصطلحات تبقى ناقصة إذا أخذت كل واحدة منها بمفردها. نحن نحبّذ مصطلح “سياسة للدفاع والأمن الوطني”، لشموليّتها.

أهميّة النقاش وتوقيته:

إنّ طرح الموضوع اليوم هو شيء جدّ إيجابي بحيث انّ التطوّرات الجيوسياسيّة في المنطقة والعالم وتغيّر الجغرافيا السياسيّة للبنان في السنوات الماضية وكذلك التطوّرات التكنولوجيّة وتقدم العلم العسكري والمفاهيم الاساسيّة للدفاع الوطني، كلّ ذلك يفرض اعادة تقويم شاملة لأمننا الوطني.

على ايّ حال، للبنان اليوم استراتيجيّة دفاعيّة ليست وطنيّة بالمعنى السياسي بمجرّد انها لا ترضي فريقاً كبيراً من اللبنانيين، وان كانت وطنيّة بمعنى الانتماء الى قضيّة وطنيّة بلا ايّ شك. وهي ليست كاملة ايضاً اذ انّها تقتصر على معالجة تهديدات عسكريّة معيّنة دون اخرى وهي لا تعالج ابداً شؤوناً غير الشأن العسكري بمفهومه الضيّق. هذه الاستراتيجيّة التي وجدت de facto ، بغياب دولة قويّة وبغياب توافق عام على الاساسيّات، تحتاج الى ان تشرعن والى ان تكمّل.

اذاً في التوقيت العام، طرح الموضوع يبدو صائباً. انّما لا يبدو كذلك في التوقيت السياسي بمعناه الضيّق وذلك لسببين: أوّلاً، انّ التأزّم السياسي العام يضرب الاسس المشتركة التي يجب ان يبني عليها اللبنانيّون نظرتهم الوطنيّة لتأمين الدفاع عن وطنهم؛ ثانياً، انّ الدخول بمرحلة انتخابيّة يحتّم تسييس الموضوع وربّما إفراغه من مضمونه الوطني.

نحن نحبّذ فتح حوار معمّق حول السياسة الدفاعيّة والأمنيّة للبنان بعيداً عن الإعلام في مرحلة أولى بحيث يكون محصوراً بخبراء وتقنيّين يلتقون ضمن ورشة الحوار الوطني العام برعاية سياسيّة بطبيعة الحال.

ويجب هنا التشديد على نقطة أساسيّة وهي ما يجري من ربط بين السياسة الدفاعيّة والأمنيّة وسلاح حزب الله. فان كان من سعى لبحث الاستراتيجيّة الدفاعيّة يهدف إلى طرح موضوع سلاح حزب الله وحسب، فانّ المقاربة هي خاطئة ومؤذية. وان كان من قبل ببحث الاستراتيجيّة الدفاعيّة بهدف الإبقاء على سلاح المقاومة كما هو اليوم، فتكون مقاربته للموضوع خاطئةً ايضاً. انّ تحجيم موضوع السياسة الدفاعيّة والامنيّة وجعله مرادفاً لسلاح حزب الله قد يفوّت على لبنان مناسبة إعادة تقييم شاملة لوضعه الأمني بمفهومه الاشمل والاوسع. وكما سنرى لاحقاً عند طرح موضوع شموليّة الدفاع واستدامة الامن، فان سلاح حزب الله ليس الا جزءاً صغيراً من الاشكاليّة العامة المرتبطة بالامن الوطني اللبناني.

الدفاع عن قيم مشتركة:

قبل الارض والجوّ والبحر والثروات المائيّة والاقتصاديّة، يجتمع المنتمون لوطن حول قيم مشتركة يدافعون عنها. فان وجدت تلك القيم واتّفق اللبنانيّون حولها فيكون من الطبيعي أن يتوصلوا لبلورة سياسة دفاعيّة وأمنيّة وطنيّة شاملة. لذا من الضروري أن تواكب النقاشات حول السياسة الدفاعيّة والامنيّة الحوار السياسي العام من اجل تدعيم اسس الدولة اللبنانيّة ومن اجل اعادة التأكيد على القيم المشتركة التي من دونها لا جدوى من طرح موضوع الأمن الوطني المشترك.

وحتى اذا قرر لن يكون موضوع الاستراتيجيّة الدفاعيّة بنداً وحيداً على طاولة الحوار الوطني، فإنّ تشعّبات الموضوع ستحتّم علينا إعادة تقييم شاملة للتركيبة السياسيّة الوطنيّة واعادة التأكيد على القيم والمبادئ التي تجمع اللبنانيّين.

لا يمكننا ان نصل الى سياسة دفاعيّة وامنيّة وطنيّة ان بنيناها على تناقضاتنا وعلى نظام سياسي لا يؤمّن نظرة مشتركة للشؤون الاساسيّة للوطن. اوّل شرط لإنجاح جهودنا من اجل وضع سياسة دفاعيّة وامنيّة وطنيّة هو ان تواكب هذه الجهود ورشة اوسع لتثبيت الشراكة الوطنيّة التي على أساسها سنبني دفاعنا وامننا.

مبادئ عامّة وأساسيّة:

للسياسات الدفاعيّة اليوم مبادئ عامّة يجب احترامها من اجل وضع سياسة عصريّة وفاعلة ومنها:

–  تعميم ثقافة المقاومة: بدءاً يجب ان يشعر اللبناني كمواطن مقيم او مغترب انّه معنيّ مباشرةً باستقرار لبنان وامنه بحيث انّه يساهم حسب إمكانيّاته بالمجهود العام لتأمين الدفاع عن الوطن. انّ القناعة بالانتماء الى الوطن الواحد والشعور بالمشاركة الفعليّة بالقرارات المصيريّة هما شرطان طبيعيّان لتعميم ثقافة المقاومة بين اللبنانيين المقيمين والمغتربين.

–  التكامل ما بين الدفاع الخارجي والأمن الداخلي: لا يمكن الفصل اليوم بين الأمن الخارجي والأمن الداخلي، او بين سياسة للدفاع الخارجي وسياسة للأمن الداخلي. فالتهديدات ومراكز الضعف متشابكة بين الخارج والداخل؛ فمفهوم الدفاع يجب إذاً ان يكون متكاملاً بين الدفاع الخارجي والامن الداخلي.

–  شموليّة السياسة الدفاعيّة والامنيّة: انّ مصادر الخطر والتهديدات والضعف متعددة وتأخذ اشكالاً مختلفة؛ لذا فدحضها ومعالجتها تحتّم علينا اشكالاً مختلفة من الدفاع وامكانات متنوّعة. انّ سياسة الدفاع والامن الوطني يجب ان تهتمّ بمصادر التهديد العسكري والامني وبضرورة تمتين تموضع لبنان الاقتصادي في محيطه وفي العالم وبضرورة تدعيم النسيج الاجتماعي والتركيبة السياسيّة في الداخل الخ.

–  وضع سياسة مستدامة: إنّ الاخطار هي اخطار مستدامة؛ فمن الضروري محاربتها باستمرار والابقاء على جهوزيّة تامّة وعلى استعداد تام لردع اي اعتداء وضرب اي مشروع اعتداء على مصالح لبنان الحيويّة.


كتاب ابيض:

بالعودة للحوار الوطني حول السياسة الدفاعيّة والامنيّة، نقترح على السياسيّين وعلى الرئيس ميشال سليمان راعي الحوار، اشراك ذوي الاختصاص من خبراء عسكريين واستراتيجيين ودبلوماسيين واقتصاديين ورجال أعمال ورجال دين ومفكرين الخ. في بلورة السياسة الدفاعيّة والامنيّة للبنان. طبعاً، انّ الحوار لن يمس بأيّ شكل من الاشكال خصوصيّات المقاومة من الناحية العملانيّة ولا سريّة عملها. وعلى اي حال، هذا الحوار يجب ان يبدأ بتحديد هدف واضح لا لبس فيه وهو: تقييم الوضع الأمني والدفاعي العام للبنان بجوانبه كافة بما فيها الجوانب الامنيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والدبلوماسيّة واقتراح حلول مناسبة لمواجهة الأخطار والتهديدات ولتدعيم وضع لبنان في الداخل وفي محيطه وفي المنتديات الدوليّة.

اعتمدت بلدان ديمقراطيّة مبدأ وضع كتاب ابيض للدفاع والامن عند الحاجة، اي عندما تفرض التطوّرات الاقليميّة والدوليّة والداخليّة اعادة تقييم موضوع الامن الوطني، يجمع مساهمات العديد من ذوي اختصاصات مختلفة والاحزاب السياسيّة ومراجع وطنيّة عدّة. عند تحضيرها مؤخّراً كتابها الابيض الثالث حول الامن الوطني، وسّعت فرنسا النقاش الى خارج حدودها الجغرافيّة حتّى، عندما أخذت بآراء خبراء أجانب ومراكز أبحاث غير فرنسيّة. انّ لبنان لديه مصلحة بطرح موضوع الاستراتيجيّة الدفاعيّة والامنيّة على شكل “كتاب ابيض” بحيث يكون البحث شاملاً ومعمّقاً، تقنيّاً وسياسيّاً، مع الحفاظ على سريّة النقاش الداخلي.

على أي حال، إذا اكتفى راعي الحوار بمشاركة الطبقة السياسيّة فقط، فعلى الأرجح أنّ لبنان سيخسر مناسبة لطرح موضوع اساسي هو كيفيّة تأمين أمنه وسلامته في السنوات المقبلة، اذ انّه من المتوقّع ان نشهد مبارزة سياسيّة جديدة حول سلاح حزب الله وضرورة نزعه او ابقائه، في خضمّ الحملات الانتخابيّة القادمة، وخصوصاً اذا تم الاكتفاء بطرح الموضوع فقط من جانبه العسكري وفقط من جانبه اللبناني ـ الاسرائيلي.

استاذ جامعي