تحديد الهدف من هيئة الحوار: الاستراتيجية الدفاعية

نشر في جريدة النهار في 01 كانون الأول 2011

فادي عساف

ان بلورة سياسة وطنية للدفاع والامن تحتم حوارا جادا وعميقا يكون سياسيا وتقنيا، وهذا ما لم يحصل حتى اليوم. فجلسات الحوار سياسية صرف، بل هي مسيسة بطبيعتها بمعنى، انها تخدم مواقف سياسية آنية، ومقاربتها ليست ابدا في اطار نظرة استراتيجية وطنية طويلة الامد. فحلقات الحوار المخصصة، مبدئيا، لوضع ما سمي الاستراتيجية الدفاعية، اضحت حلقات مفرغة وحوارا للحوار.

على اي حال، ليست طاولة الحوار الاطار الدستوري السليم لوضع سياسة وطنية للدفاع والامن. وان سلمنا جدلا بضرورة الحوار، وبالاطار الذي يختاره الساسة، اي حول طاولة حوار يرأسها فخامة رئيس البلاد ويديرها، فلا بد ان يكون هذا الحوار منتجا، اي يجب وضع هدف واضح للحوار واعطاء المتحاورين ادوات النجاح في مهمتهم وتحديد المهل الزمنية للانتهاء من المهمة الموكلة اليهم. كل ذلك ليس متوافرا. فلا هدف واضح للحوار ولا امكانية تقنية وعلمية وحتى سياسية للتعمق في الموضوع الاساس ولا جدول زمني للانتهاء من الحوار. علما انه بالامكان تحديد المهمة بوضوح: فالحوار ليس من اجل نزع سلاح المقاومة، كما انه ليس من اجل فرض سلاح حزب الله الى ما شاء الله… الحوار هو لوضع تصور جديد لما يجب ان تكون سياسة الدفاع والامن الوطنية من اجل اعتمادها من قبل الجهات الدستورية المعنية ومن اجل التوصل الى الطريقة المثلى لحماية لبنان ومصالحه المتشعبة وقيمه حسب الامكانات المتوافرة.

 فالهدف يمكن تحديده بوضع كتاب ابيض للدفاع والامن، وهو منطق ديموقراطي صرف، يعتمد على منهجية تتيح للمتحاورين تجنب حوار عقيم حول سلاح حزب الله والتوصل الى سياسة شاملة تؤمن للمؤسسة العسكرية ولكل قطاعات الدولة وللتجمعات الاهلية نظرة متكاملة من اجل التفاعل في ما بينها لتأمين سلامة الوطن واللبنانيين ولتمكينهم من الدفاع عنهم في كل المجالات وعلى اختلاف الظروف (“كتاب ابيض لسياسة دفاع وامن وطنيين”، “النهار”، 11/9/2008). من اجل ذلك نقترح ان يكون هدف الحوار الوطني: وضع “كتاب ابيض” حول سياسة الدفاع والامن الوطنيين بحيث يعمل اولا على تقويم واقعنا من الناحية الامنية والدفاعية ومن ثم تجمع الآراء المختلفة والمتعددة للافرقاء ولاصحاب الاختصاص بحيث نستخلص خطوطا عريضة تظهر مصادر الخطر على لبنان ومكامن الضعف في التركيبة الوطنية وتحدد التوجهات العامة من ناحية السياسة الخارجية والسياسة الاقتصادية الخ.

انطلاقا من وضع سابق وحالي، نبني سياسة مستقبلية، تصحح الخلل وتستبق التطورات من اجل اعادة تصويب نظرتنا الى الاخطار ومكامن الضعف ومن اجل طرح تصور يأخذ بالتطورات الجيوسياسية والتكنولوجية والسياسية والاقتصادية والديموغرافية الخ. عندها، تعطي المؤسسة العسكرية، وفق الآلية التي يحددها الدستور، ما يلزمها من اطار عمل جديد، يكون قد حدد من منظار سياسي، تعيد على اساسه تثبيت عقيدتها وتبني استراتيجيتها القتالية وتعيد بلورة سياستها التسلحية الخ. كذلك، يعطي القيمون على القطاعات الاخرى المعنية بأمن الوطن والدفاع عن مصالحه الحيوية، من دفاع مدني وقطاع اقتصادي وجهاز ديبلوماسي وقطاع اعلامي الخ، توجهات عامة من اجل بلورة مساهماتهم في سياسة الدفاع والامن الوطنيين. ان كان الهدف من الحوار واضحا، يعطى المتحاورون والقيمون على الحوار الامكانات من اجل تحقيق غايتهم من الحوار، ضمن مهلة زمنية محددة وفق اولويات المرحلة ومتطلباتها. بعكس ذلك، لا جدوى من حوار للحوار، يبدأ بهدف غير واضح، او بلا هدف ببساطة، وبلا سقف زمني، وبلا امكانات، وينتهي بافكار وسطية لا نكهة لها ولا نفع فيها.