النفط مقابل الغذاء: دول مجلس التعاون الخليجي تستملك أراضٍ زراعية في الخارج

 

منى سكرية

مع ارتفاع أسعار الغذاء ارتفاعًا حادًا منذ العام 2008، بدأت سياسات الدول لضمان أمنها الغذائي تشهد تحولاً استراتيجيًا. يسعى عدد من البلدان، ومنها البلدان الخليجية، إلى ضمان أمنه الغذائي من خلال ضمان الاستقرار في تزويد الغذاء، ليس من خلال الاكتفاء الذاتي بل من خلال شراء أو استئجار الأراضي الزراعية في بلدان أجنبية.

حقول القمح

شكّل الاكتفاء الغذائي لفترةٍ طويلة أساس السياسات الزراعية في معظم الدول العربية. وتمكّن عدد منها لفترة طويلة من بلوغ هذا الهدف، على الرغم من القيود الواضحة، ليس أقلّها حلول هذه البلدان في المرتبة الأدنى في العالم من حيث نسبة الأراضي الصالحة للزراعة على إجمالي مساحة الأراضي في العالم. وما يزيد الطين بلّة هو أن المنطقة العربية هي المنطقة التي تحل أولاً في العالم من حيث ندرة المياه، إذ تحوي ما لا يزيد عن 1% من إجمالي الموارد المائية في العالم. والمنطقة عرضة أيضًا لتزايد التصحّر فيها وتدهور الأراضي الزراعية وندرة المياه. ومن غير المفاجئ عندها أن تعتمد البلدان العربية أكثر فأكثر على الواردات الغذائية لضمان أمنها الغذائي.

وفقًا للتوقعات، يترك الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء أثرًا عميقًا على معدلات الفقر ويؤثر مباشرة على القوة الشرائية للأسرة. في العام 2008، كانت الطبقة الوسطى والطبقة الأدنى الأكثر تأثرًا بارتفاع الأسعار، ما أدّى إلى أعمال شغب عنيفة وقعت في عشرات البلدان. وانعكس ارتفاع الأسعار عالميًا على المستوى الوطني من خلال تفاقم انعدام الاستقرار الاجتماعي، فوضع الحكومات والدول تحت رحمة تقلب أسعار الغذاء عالميًا. تستورد دول الخليج على وجه الخصوص ما لا يقلّ عن 90% من غذائها، وفقًا لوحدة التحريات الاقتصادية من مجلة “ذي إيكونوميست”، فتكون عرضة بشكلٍ خاص لارتفاع الأسعار الحاد.

شرعت دول مجلس التعاون في “حملة” شراء واستئجار أراضٍ في الخارج لمواجهة احتمال انعدام الاستقرار الاجتماعي والسياسي جرّاء انعدام الأمن الغذائي، مرتكزةً على القوة المالية التي تمنحها إياها بعض مؤسساتها الوطنية على غرار الصناديق السيادية. وركّزت على الأراضي التي تتميّز بخصوبتها في بلدان أو مناطق تٌعرف بحرمانها، على أن يُنتج الأرز والقمح والشّعير والسكّر والذرّة لكن أيضًا لحوم الماشية والدواجن وغيرها في الخارج وتُشحن مجددًا إلى بلدان الخليج للاستهلاك المحلي. في خلال السنوات الماضية، استأجرت دول الخليج أو اشترت مئات آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية في السودان ومصر وكينيا وكمبوديا وفييتنام وباكستان والهند والفيليبين وتركيا وبلدان أخرى في أفريقيا وجنوب شرق آسيا وحتى في أميركا اللاتينية.

كما في أي مشروع واسع النطاق في أراضٍ أجنبية، سرعان ما وُصفت هذه الخطط بـ”عمليات الاستيلاء على الأراضي”. واعتبر رئيس منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) جاك ديوف أن هذه المشاريع بمثابة استعمار جديد. قد ترفض الدول المستثمرة هذه الاتهامات، وتؤكد عن وجه حق أنها اكتسبت بطريقةٍ قانونية حق استخدام هذه الأراضي من خلال عقود الإيجار والتنازل. لكن وكما هي الحال في أي صفقة، على الأطراف كلّها أن تجد مصلحتها إن أرادت ضمان استدامة هذه المشاريع، وهو هدف البلدان المستثمرة التي تسعى إلى ضمان عدم انقطاع الغذاء. تُذكّر شكاوى المجتمعات المحلية في هذه البلدان بالأصوات التي تعالت في صفوف المواطنين الخليجيين في بداية القرن العشرين، عندما بدأت شركات النفط الأجنبية التنقيب عن النفط الموجّه بشكلٍ أساسي للاستهلاك الأجنبي، ولا بد من معالجة هذه الشكاوى على نحوٍ ملائم. ومن شأن هذه الخطوة أن تلقي الضوء على إيجابيات هذه المشاريع، وهي الاستثمار الأجنبي في قطاع الزراعة الذي غالبًا ما أهمل، وإنشاء البنى التحتية المحلية التي غالبًا ما تكون غائبة واستحداث الوظائف الجديدة في البلدان المضيفة.

وإن لم تتخذ هكذا خطوة، قد تُطرح ضرورة حراسة الأراضي الزراعية المكتسبة من أي أعمال عدائية، حتى أنه قد يكون من الضرورة في مرحلة ما حماية الحكومات المحلية من تصاعد المعارضة والغضب الشعبي. وكان قرار تأجير 1.3 مليون هكتار في مدغشقر (أي نصف الأراضي الصالحة للزراعة في البلد) إلى شركة كورية جنوبية من الأسباب التي أدت إلى الانقلاب على الرئيس في العام 2009. من جانب آخر، ذكرت باكستان أنها مستعدة لتخصيص 100 ألف عنصر أمن لحماية الأراضي الزراعية التي يديرها المستثمرون الأجانب من أي هجمات عدائية.

منذ بضعة عقود، أدى تصاعد الاستياء تجاه شركات النفط الأجنبية إلى تغيير النظام عن طريق العنف في عدد من دول الشرق الأوسط، وأدى تأميم قطاع النفط بعدها إلى إلحاق خسائر فادحة بالشركات الأجنبية، ما يجب أن يذكّر بأن كلفة إدارة الأراضي الزراعية في الخارج سرعان ما يكون ثمنها باهظًا، فيلغي الميزة الأولية التي ارتكز عليها شراؤها.

Click here for the English version.