مواجهة اقتصادية ونفطية بين بغداد وإربيل

 

منى سكرية.

شرعت حكومة إقليم كردستان في تصدير النفط الخام نقلاً بالشاحنات إلى تركيا في الشهر تموز/يوليو 2012 في خطوةٍ أثارت غضب بغداد، التي تطالب باحتكار حقوق تصدير مصادر الطاقة. في شهر أيار/مايو 2012، أعلنت تركيا وحكومة إقليم كردستان بدون موافقة السلطات العراقية، على مشروع بناء أنابيب لنقل النفط والغاز من الإقليم الذي يتمتع بشبه حكم ذاتي إلى تركيا، ومن المتوقّع أن يُنجز المشروع بحلول العام 2013 و2014، فيزيد فرص إقليم كردستان ببيع نفطه الخام.

تشكّل صفقات كهذه تناقضًا صارخًا مع معظم السياسات التركية المعتمدة في العقد الماضي وإصرار أنقرة، الجنوني أحيانًا، على احتواء الطموح السياسي الكردي. إن انتقلنا بسرعة إلى الأمام، يبدو الوضع الحالي بين تركيا وإقليم كردستان في شمال العراق مثيرًا للدهشة. ففيما تحافظ تركيا على موقفها الرسمي الداعم سلامة الأراضي العراقية، تتدهور علاقات أنقرة ببغداد أكثر فأكثر، إثر ما تسمّيه تركيا السياسات الطائفية التي اعتمدتها حكومة نوري المالكي وتباعده عن الطائفة السنيّة. من جهةٍ أخرى، وعلى عكس المقاربة التي اعتمدتها تركيا سابقًا في حصر تعاطيها بالسلطات المركزية العراقية، تعزّز اليوم علاقاتها بحكومة إقليم كردستان. فحصّة الإقليم من الصادرات التركية إلى العراق تناهز 70%، ويشكّل الإقليم أحد أكبر الأسواق للصادرات التركية. في العام 2011، بلغت التجارة ما بين الطرفين 7 مليارات دولار، ومن المرجح أن تزيد ثلاثة أضعاف في الأعوام الخمسة المقبلة. شرعت الشركات التركية في تنفيذ مشاريع بناء واسعة النطاق، ومن المتوقع أن تستفيد كثيرًا من مشاريع إعادة الإعمار الطموحة التي أعلنتها حكومة إقليم كردستان، ومنها مشاريع البنى التحتية الحيوية للنقل. وشركات الطاقة التركية على غرار شركة “غينيل إنرجي” (Genel Enerjy) منخرطة انخراطًا فاعلاً في تطوير حقول النفط والغاز في كردستان العراق. وتكافح حكومة الإقليم الذي يزخر بالنفط والغاز، لتصدير هذه الموارد بسبب الخلافات القائمة مع بغداد. وتقدّم المنطقة أيضًا فرصة لتركيا لتنويع إمداداتها بالطاقة وتحفيف العبء عن ميزانيتها.

فنصف العجز في الحساب الجاري التركي ينتج من تكاليف الطاقة، ونظرًا لأن تركيا تشتري الغاز الطبيعي بسعرٍ يتجاوز سعر السوق من إيران، وهي مزوّدها الثاني الأكبر بعد روسيا، تبحث اليوم عن مصادر بديلة للغاز الطبيعي. ويبدو أن كردستان العراق المرشح الأفضل.

بدأت أنقرة تنظر إلى إقليم كردستان كشريك اقتصادي أكثر منه باحة خلفية معادية تُعدّ أرضًا خصبة للأنشطة شبه العسكرية التي تهدّد أمن تركيا. من خلال نسج الروابط مع الأكراد العراقيين، تسعى أنقرة إلى تحقيق هدف مزدوج ألا وهو تهميش المقاتلين الأكراد الأصوليين في تركيا وضمان حصتها من القدرة الاقتصادية الواسعة التي يقدّمها الإقليم. بالنسبة إلى الأكراد العراقيين من جهةٍ أخرى، ووسط تصاعد التوتر مع بغداد بشأن ملفّات عدّة، يشكّل التعاون الوثيق مع تركيا في مجالَي الاقتصاد والطاقة فرصةً لتعزيز استقلاليتهم تجاه الحكومة العراقية المركزية وممارسة الضغط بهدف زيادة سيطرتهم على مواردهم الطبيعية. ومن المرجح أيضًا أن يطمئن التعاون بين حكومة إقليم كردستان وتركيا شركات النفط الغربية. فإقامة البنى التحتية الضرورية لتصدير النفط الخام عبر تركيا إلى الأسواق العالمية يعزز جاذبية كردستان العراق بنظر الشركات الغربية، لا سيما الشركات الأوروبية، إذ تسعى أوروبا إلى تنويع إمداداتها بالغاز الطبيعي وإيجاد بديل أبخس ثمنًا عن الغاز الروسي. وقد يصعب على بغداد أكثر فأكثر منع الشركات الأجنبية من العمل في كردستان، علمًا أن الإقليم يقدّم شروطًا أكثر جاذبية في العقود من خلال اقتراح اتفاقات تقاسم الإنتاج بدل عقود الخدمات التي تقدّمها بغداد. فبعد أن أعربت شركة “توتال” الفرنسية  بداية هذا العام عن اهتمامها باستغلال موارد الطاقة في المنطقة التي تتمتع بشبه حكم ذاتي، أعلنت في 31\07 أنها استحوذت على حصة توازي 35% لاستثمار حقلي حرير وسفين النفطيين. واللافت أنه لو قُدر للإقليم أن يصبح من كبار مُصَدِّري الطاقة، قد تجد الدول المستوردة اهتمامًا أكبر في ضمان استقراره.

ما زال من المبكر الاستنتاج أن التقارب بين انقرة وإربيل قائم على أسس متينة (إذ من المحتمل أن تستمرّ حكومة إقليم كردستان في رفض اتخاذ أي تدابير بحق المقاتلين الأكراد التركيين المتمركزين على أراضيها، وأن تحاول الدول المجاروة استغلال بعض الفصائل التركية ضد المنافسين في المنطقة – ما يطرح مسألة أمن الأنابيب)، إلا أن المؤكد هو أن كردستان العراق بات يُجذب اليوم أكثر فأكثر نحو الفضاء الاقتصادي التركي. على المستوى السياسي، في مقابل تباعد المسافات بين إربيل وبغداد، يتزايد دفء العلاقات بين إربيل وأنقرة. لكن تبعات هذا التحوّل على المدى الطويل على وحدة العراق ما زالت غير جليّة. فيبدو أن حلم الأكراد العراقيين بإقامة دولة مستقلة بعيد المنال حاليًا نظرًا للسياق الإقليمي والعقبات الاقتصادية قصيرة الأمد – فالمسألة غير مطروحة حتى على أجندة القادة الأكراد، وهو الحلم الذي لطالما شغل الأكراد وغالبًا ما تعرّض للقمع. إلا أن البديل الجيد بالنسبة إليهم يكمن في تعزيز استقلاليتهم التي تترجم بإدارة مباشرة لشؤونهم، لا سيما منحهم المزيد من السيطرة على مواردهم.

An older version of the article is available in English:
Iraqi Kurdistan: Turkey as economic leverage to pressure Baghdad

Scroll to Top