الشرق الأوسط: تهريب السجائر كعنصر مغذي للإرهاب


انعدام الاستقرار مؤشر ثابت لانتشار التهريب على انواعه، من ممنوعات ومسروقات وبضائع مزيفة الخ. والتهريب بحد ذاته، خصوصا العمليات المنظمة، يشكل عامل لا استقرار. فالتهريب، بما فيه تهريب السجائر والتبغ ومشتقاته، في صلب الحلقة العبثية التي تغذي العنف والنزاعات وصولا الى الارهاب.

السيناريو هو نفسه في مناطق النزاعات واللا استقرار، حيث تزدهر عمليات التهريب التي تستفيد منها ماديا مجموعات منظمة ضمن حلقة مافيوية واسعة او مجموعات محلية ذات نفوذ محدود ومغلق. وهذه المجموعات تطمح عادة لشبك مصالحها بمصالح سياسية مناطقية او عرقية بهدف ايجاد مظلة تحميها وتغطي افعالها. وهذا ما توفره لها عموما طبيعة مجتمعاتها القبلية والعشائرية والطائفية والعرقية والجغرافية. وهذا ما قد تجده غالبا ايضا في التركيبة السياسية والامنية والعسكرية للدول ولمناطق عملها. كما ان المعطيات الجيوسياسية لا تغيب عن ساحات التهريب لا بل تفرض نفسها على هندسة عمليات التهريب بكل تفاصيلها من مصادر التموين الى اسواق التصريف مرورا بطرق التهريب وبكافة العناصر اللوجيستية والمالية والامنية الخ.

ومع عولمة الارهاب، أصبح التهريب، بما فيه تهريب السجائر والتبغ الذي يعتبر أكثر ربحية واقل خطورة من انواع التهريب الاخرى المتداولة من قبل التنظيمات الارهابية كالمخدرات والسلاح، أكثر انتشارا لمواكبة الحاجات اللوجيستية والمالية والعسكرية لتلك المنظمات العابرة للحدود. فأصبحت اليوم طرق الارهاب وطرق تهريب السجائر ملتصقة لا بل اصبحت طرقا واحدة تعتمدها التنظيمات لخدمة مشاريعها العنفية.

في منطقة الساحل وشمال افريقيا، إذا أردنا ان ننظر بتمعن أكثر الى الخرائط الامنية وطرق التهريب، نصل الى خلاصة واضحة بان المسارين ملتزمين تماما. كما ان التنظيمات الارهابية تفتح خطوط التهريب لفروع لها تعمل لتأمين تمويل عملياتها العسكرية والامنية وارهابها المتنقل والذي يضرب استقرار الانظمة والدول والمجتمعات ويصيب بطريقة مباشرة او غير مباشرة مصالح المجتمع الدولي ودول اوروبا القريبة. في هذه المنطقة الواسعة، تهريب السجائر يغذي، بتمويله العصابات وفرق الموت المنضوية تحت اجنحة التنظيمات الارهابية المعولمة، عمليات امنية ضد المجتمعات المحلية وضد الاجانب وضد مراكز النشاط الاقتصادي (طاقة، سياحة). فلا بد من ضرب التهريب المنظم في تلك المنطقة عبر التعاون العابر للحدود بين الدول المعنية مباشرة وبدعم من المجتمع الدولي. فضرب التهريب قد يكون في جزء منه عسكريا وامنيا، لكنه ايضا ثقافيا واجتماعيا واداريا وماليا الخ.

في المقلب الشرقي للبحر الابيض المتوسط، تنتشر تدريجيا ظاهرة تهريب السجائر والمخدرات كالكابتاغون والآثار المسروقة الخ، ومع تبدل عميق وسريع في العوامل الجيوسياسية التي تحكم المشرق العربي وخصوصا العراق وسوريا. وهنا ايضا، يبدو تهريب السجائر مرتبطا بالعنف المستشري وبالخصومات السياسية الخطيرة وبضعف السلطات المركزية واهتزاز الحدود الدولية الخ. وهنا ايضا، يزدهر التهريب لدى كافة الجهات، حتى التي تمنع عقائديا التدخين كداعش… وفي هذه المنطقة، لا حدود جغرافية للتهريب، بحيث اصبحت جميع الساحات ساحات تصدير واستيراد وتمرير سجائر مهربة من والى الداخل العراقي والسوري او من والى دول الجوار.

اما بلدان مجلس التعاون الخليجي، فمقاربة موضوع تهريب السجائر لا تزال خجولة بحيث ان السلطات الاماراتية مثلا ما زالت تغض النظر عن عمليات اعادة تصدير ان لم نقل اعادة تدوير او تسييل الكميات الهائلة من السجائر والتبغ التي يستورد شرعيا الى المنطقة الحرة في جبل علي والمعدة للأسواق العالمية… لكن ملف محاربة الارهاب الذي ينذر بالاقتراب من السعودية، من الباب اليمني ومن الباب العراقي ومن الداخل ايضا، والذي ضرب مؤخرا بالإضافة الى السعودية دولتي الكويت والبحرين، قد يدفع دول الخليج لفتح ملفات تمويل هذا الارهاب عبر كافة الطرق ومنها تهريب السجائر عبر الحدود.

ان موضوع التهريب ومنه تهريب السجائر والتبغ، والذي ينتشر ويعمم في منطقة الشرق الاوسط مع انتشار الفوضى وانعدام الاستقرار والعنف والارهاب، يشكل موضوع شائك ومتشعب ومرتبط بملفات متعددة ومعقدة، ومقاربته لا يمكن الا ان تكون شاملة ومتعددة الاوجه ومنسقة اقليميا ودوليا. خاصة إذا اريد الربط المباشر بين معالجة هذا الملف والحرب على الارهاب…