لبنان: هل الانقلاب داخل التيار الوطني الحر سيساعد في الانخراط في الطائف بعد تعويمه؟ ام انه سيبقي العونيين خارج النظام الجديد؟


من وجد نفسه مهمشاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في سنوات العزّ في لبنان، ناضل وضحى واسترد حقوقاً طبيعية جعلته في قلب المعادلات الوطنية وحتى الاقليمية. هو المكون الشيعي الذي سار خلف الإمام موسى الصدر الثائر المهمش ومن ثم خلف نبيه بري وحسن نصرالله الذين عرفا كيف يبتلعان نظاماً اراد ابتلاع طائفتهما من قبل. فأصبحت الطائفة الشيعية في قلب النظام السياسي والاجتماعي والعسكري والامني والاقتصادي، فيما انهارت المارونية السياسية وهمش المسيحيون، وفيما تزعزع نظام الطائف تحت خفة الطبقة السياسية السنية…

واليوم، في حين يعاد ترسيم إطار اللعبة الجيوسياسية في المنطقة، يمر لبنان بمرحلة اعادة تأسيس يسعى من هو في قلب المعادلات، اي من يرى نفسه في صف الرابحين شرق اوسطياً، ان لا يكرر اخطاء من سبقه في المواقع الوطنية الريادية. فيرفض المكون الشيعي تهميش المسيحيين ومنهم بالأخص من هو متحالف مبدئياً معه ومن خلاله جميع المسيحيين، كما يرفض من لا يسعى لفرض شيعية سياسية غير مضمونة النتائج إذا ما قيمناها في محيطها الاقليمي وفي بعدها الاسلامي، ان يخرج من المعادلة الوطنية المكون السني القوي والمتقبل للغير في زمن التكفير الحالي. فيكرر المسؤولون الشيعة انهم لا يسعون لتعديل الطائف، ولو كتابة. كما يكررون دوما انهم بحاجة للتنوع الذي يقدمه للإسلام الوجود المسيحي المميز في لبنان.

وان أردنا ان نحكم على الكلام والتصريحات، فلا بد من الاعتراف ان من له القدرة ان يسيطر على لبنان اليوم يتردد كثيرا في ذلك، لا بل يرفض ان يخطو هذه الخطوة المميتة للصيغة الحالية. وإذا ما اقترنت الاقوال بالأفعال، فهذا يعني ان الطائفة الشيعية ستفرض نفسها في قلب واساس معادلة الطائف التي ستسعى جاهدة للحفاظ عليها بمشاركة الشريكين الآخرين، الشريك السني التائه سياسيا والشريك المسيحي المشكك اصلا في صيغة الطائف.

لذا، ومع التسويات التي تطبخ للمنطقة في الكواليس، يسعى الثنائي الشيعي نبيه بري وحسن نصرالله لتثبيت مكاسب طائفتهما وجماعتهما وهما يكرسان التوازنات المنبثقة عن الطائف من اجل طمأنة الشريك السني. وفي الوقت عينه، لا بد من استيعاب المكون المسيحي من خلال اشراك الحليف العوني في اعادة انتاج تركيبة سياسية تحل مكان تلك التي انطوت صفحتها مع زوال الاحتلال السوري.

فالمعادلة الجديدة تصبح، في ظل التفاهمات الاقليمية الحالية:

– تعويم اتفاق الطائف بما يطمئن السنة وما يمثلون من مصالح اقليمية ايضا،

– وممارسة سياسية بما يطمئن المسيحيين المشككين في ديمومة وطنهم وفي وجودهم المشرقي.

عمليا، شروط انجاح هذا التفاهم الجديد الذي يرسم حدود اللعبة السياسية للبنان لسنوات طويلة قادمة، هي:

– ان يواكب التفاهمات الاقليمية الكبرى وان لا يناقضها،

– وان يقبل المكون السني القوي فكرة تلطيف اتفاق الطائف ممارسة وان يضمن تعويم الاتفاق المكون الشيعي بدل عن الوصي السوري،

– وان يفهم المكون المسيحي القوي ان المسيحيين هم اليوم مرة جديدة على مفترق طرق وان عليهم اما ان ينخرطوا في المعادلة الجديدة وهم من رفضوا في اغلبيتهم الانخراط في معادلة الطائف المضمون سوريا وسعوديا…

من هنا نفهم، جزئيا، الانقلاب الذي حصل داخل التيار الوطني الحر لصالح من يظن ان باستطاعته ان يحسن شروط انخراط المسيحيين في الطائف المعوم والمضمون شيعيا واقليميا…