فرنسا والمانيا تضمنان استقلاليتهما الاستراتيجية عبر تعاون صناعي وثيق، اولى نتائجه ال FCAS


بعد حوالي عشرة اشهر على كشف الحكومتين الفرنسية والالمانية، من باريس حيث كانت تعقد قمة بين الرئيس امانيول ماكرون والمستشارة انجيلا ميركيل، عن خطط لتطوير طائرة مقاتلة اوروبية من الجيل السادس لتحل مكان الرافال المتعددة المهام والاوروفايتر تايفون، تم الاعلان، من المانيا هذه المرة وعلى هامش معرض برلين للطيران، عن قرار داسو اڤياشن (الشركة المطورة ايضا لبرنامج المقاتلة من دون طيار ال nEUROn) وآيربص بضم جهودهما لتطوير وانتاج منظومة الحرب الجوية المستقبلية الاوروبية “اف سي إيه إس” (FCAS) المقرر ان تدخل في الخدمة بحلول ٢.٣٥-٢.٤٠.

وسيعود الدور القيادي للبرنامج لفرنسا ولشركة داسو، كما اعلنته وزيرتي الدفاع الفرنسية والالمانية على هامش معرض برلين للطيران.

نقلة نوعية في مجال التعاون الدفاعي

هذه النقلة النوعية في مجال التعاون الدفاعي بين ركنين اوروبيين، والتي يأتي الاعلان عنها بعد قرار بريطانيا، وهي احدى الدول المصنعة للاوروفايتر مع المانيا وايطاليا واسبانيا، الخروج من الاتحاد الاوروبي، تصب في خانة تثبيت موقع فرنسا وشريكها الالماني على خارطة القوى الصناعية والعسكرية الكبرى والمؤثرة دوليا. فبرنامج تطوير ال”اف سي إيه إس” سيفتح المجال ايضا لإطلاق برامج تعاون اخرى بين باريس وبرلين، كما اكدته وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس پارلي، ومنها ما يتعلق بتسليح المقاتلة المستقبلية.

التفاهم السياسي الفرنسي الالماني الحالي يؤسس لمرحلة تقارب استراتيجي طويل الامد ولتعاون دفاعي تكنولوجي صناعي عريض بين البلدين لا بد ان يساهم في رسم توازنات دولية جديدة، لصالح اوروبا وركيزتيها الاساسيتين فرنسا والمانيا واللتين تحتفظان بحريتهما واحدة تجاه الاخرى.

فمن أبرز نتائج التعاون الدفاعي بين فرنسا والمانيا، توسيع القاعدة التكنولوجية للصناعات الجوية العسكرية في البلدين، وتحفيز انتاجية مراكز الابحاث والتطوير والتصنيع المشتركة، وضبط التكلفة العامة للبرنامج وتقوية القدرة التنافسية للنظام الدفاعي الجوي، وخلق اسواق داخلية وخارجية واعدة. فالتعاون هذا يأتي ليطرح بديلا اوروبيا لمقاتلات الجيل الرابع والجيل الخامس والذي يعمل على تطويرها اليوم كال “ج.س.ف.” (او ال “ف-٣٥”) وال”ف-٢٢” الاميركيتين والت-٥٠” وال”سوخوي٥٧” الروسيتين، وهذا البديل، اي نظام ال “اف سي إيه إس”، يختصرها جميعها ويتفوق عليها من ناحية تعدد المهام وتنوع التسليح والتكنولوجيا المتقدمة.

برنامج ذو ثقل جيوستراتيجي

انما الاهم من ذلك قد يكون في القيمة المضافة لهكذا مشروع دفاعي مشترك بين دولتي متقدمتين تكنولوجيا وعسكريا، من ناحية ثقلهما ونفوذهما الجيوسياسي. بالفعل، فان الابقاء على استقلالية القرار الاستراتيجي لكل من فرنسا والمانيا في عالم متعدد الاقطاب وفي محيط جدا متأزم، هو اساس لديمومة الدور الريادي الذي تلعبه الدول الاوروبية، وخاصة فرنسا، وتسعى لتفعيله على الصعيد الدولي، في اوروبا طبعا وضمن حلف شمال الاطلسي، وفي الشرق الاوسط وآسيا وافريقيا الخ. فالمشروع الدفاعي الصناعي هذا، وهو قابل للاستنساخ من خلال تطوير مشترك لأنظمة دفاع متطورة اخرى، سيعطي فرنسا وحليفتها المانيا ادوات اضافية للتعاطي من موقع قوة واستقلالية مع الحليف الاميركي وكذلك مع الشركاء الآخرين والاخصام ايضا.

فالاستقلالية التي تكتسبها فرنسا والمانيا عبر الابقاء على صناعاتهما الدفاعية المتقدمة وعلى امكاناتهما العسكرية الفاعلة، ستترجم حتما نفوذا جيوسياسيا وديبلوماسيا واقتصاديا وحضورا امنيا وعسكريا في النقاط الساخنة والملفات الدولية الكبرى.