Liban – France: Prisonnier d’enjeux régionaux, DONAS survit tant bien que mal


Alors qu’une nouvelle mission d’ODAS achevait sa visite au Liban, le quotidien libanais Assafir, autrefois critique à l’égard du programme franco-saoudien, se fait l’écho, cette fois, de l’optimisme français de mener à bien ce programme piloté à partir de Paris par ODAS.

Un optimisme qui trahit, aussi, pas mal d’incertitudes… D’ailleurs, cet optimisme s’est volatilisé en 24 heures, comme le montre bien l’article 2 publié dans le même journal et par le même auteur…

L’article 1, que nous vous proposons dans sa version initiale (ci-dessous, en arabe), s’intéresse aux conditions, anciennes et nouvelles, posées par les bailleurs de fonds saoudiens, et présente le calendrier, revu et corrigé, des livraisons prévues (trois phases allant d’avril 2016 jusqu’en 2023-2024).

Une liste des équipements et systèmes est présentée, et de nombreux détails sur le programme sont fournis.

Malgré son optimisme, cet article, qui replace quelque part DONAS dans le cadre de la confrontation saoudo-iranienne, cache mal donc l’inquiétude de voir certains aspects du programme (financement, etc.) directement impactés par des considérations géopolitiques, politiques, techniques (évolutions sur la scène libanaise, etc.)…

Une très bonne nouvelle toutefois, si elle se confirmait, les Saoudiens refusent les intermédiaires et le versement de commissions, exigent des prix préférentiels…

Pour DONAS, une nouvelle phase est lancée avec le déblocage des €480m versés par Riyad et qu’ODAS a été autorisée à répartir entre les industriels les plus engagés…

Dans son édition du 16/01, 24 heures donc après la parution de cet article, le même Assafir publiait un deuxième article consacré au même sujet, signé du même auteur, et bien plus critique cette fois… Critique à l’égard de la dimension “politique” du programme, et critique aussi à l’égard de plusieurs des équipements et systèmes “imposés” aux Libanais…

L’article du 16/01 se demande s’il s’agit d’une “donation” saoudienne ou d’une volonté de Riyad de “confisquer” la décision de l’Armée libanaise. Le deuxième article dénonce, en quelque sorte, les pressions saoudiennes visant à utiliser l’Armée libanaise et le programme DONAS afin de contrer l’influence iranienne au Liban.

***

Lire les notes précédentes de MESP sur le sujet :

« Liban : Relance (partielle) du programme DONAS : timing politique ou militaire ? »
« Liban – France – Arabie saoudite : DONAS et sa dangereuse politisation »
« Liban – France – Arabie saoudite : Armement : Le signal de départ est donné »
« Moyen-Orient – France : Armement : ODAS et l’indispensable communication de crise »
« Liban : Aides françaises aux FAL : saucissonnage du programme franco-saoudien »
« Liban – Arabie saoudite – France : Opération tripartite au profit de l’Armée libanaise »
« Liban – France : Pour Thales, le ‘hasard’ fait bien les choses… »
« Liban : Programmes d’armement : quels enjeux pour Beyrouth et pour ses partenaires ? »
« Moyen-Orient – France : Riyad fait chanter Paris : un Président pour $3md »

***

مرة ثانية عاد السعوديون والفرنسيون الى طاولة الهبة الملكية لتسليح الجيش اللبناني.
قبل ايام قليلة من أفول العام 2015، وفي غياب من يمثل اللبنانيين، اجتمع ممثلون عن شركة «أوداس» الفرنسية المشرفة على تنفيذ الاتفاق بممثلين عن وزارة المال السعودية يتقدمهم محمد حمد الزير (رئيس مجموعة «ماز» السعودية للطيران)، الذي لعب دورا استشاريا وتفاوضيا، وذيلوا مجددا بتواقيعهم، في 27 كانون الاول الماضي، اتفاقا جرى توقيعه، قبل عامين، لاطلاق الهبة السعودية من سباتها.
عمليات التسليم، ستبدأ في نيسان 2016، على ان تكتمل ما بين العامين 2022 و2023، وربما تمتد عاما اضافيا اذا احتاج الامر لذلك وما لم تحصل مفاجآت على طريق التنفيذ. سبعة اعوام عوضا من خمسة متفق عليها في الاتفاق الاولي، هذا هو الاتفاق الجديد.
ولاخراج الهبة السعودية من سباتها، قال مصدر فرنسي واسع الاطلاع لـ «السفير» ان السعوديين استعادوا شروطا قديمة: تقوية الجيش اللبناني، انعدام الحاجة الى اي وسيط او دفع عمولات، الحصول على اسعار منصفة، التزام فرنسا بالانخراط في تنفيذ البرنامج تدريبا وصيانة، ولكن تحرير الصفقة احتاج ايضا الى الاستجابة الى هاجس سعودي كبير يتمثل بالخشية من وقوع الاسلحة او بعضها بيد «حزب الله».
المصدر الفرنسي قال ان السعوديين اضافوا شرطا اساسيا للاتفاق، لكي تهدأ مخاوفهم من ان تقع بيد «حزب الله» بعض الاسلحة او المعدات الالكترونية المتطورة او صواريخ «ميسترال» المضادة للطائرات او مناظير الرؤية الليلية او منظومة الاتصال «بي ار جي 4» او صواريخ «ميلان» المضادة للمدرعات: «قلنا للسعوديين ان اكثر المعدات التي ستسلم للجيش اللبناني، لا يحتاجها «حزب الله» كونه يمتلك افضل منها او ما يعادلها فعالية، او يتفوق عليها، فهو يملك مثلا، ما يتجاوز «ميسترال» الجيل الثاني (4 كلم)، كصواريخ «اوسا» (من 6 الى 9 كلم)، بالإضافة الى مخزون كبير من صواريخ «ستريلا» و «ايغلا» الروسية.
على هذا الأساس، حصل كل طرف على ما يريده: تنفيذ الهبة للفرنسيين، وتعهدات واضحة بتنفيذ الصفقة، ودفع ما تبقى عبر ثلاث مراحل، لقاء ضمانات للسعوديين الا تقع الاسلحة بيد «حزب الله»: «اتفقنا على ضمانات الكترونية وعملية، تمكننا من تعطيل اي سلاح عن بعد، عن طريق ادخال برامج خاصة لمتابعة سير الاسلحة والمعدات ومعرفة اماكن تواجدها.. الاميركيون اتخذوا اجراءات مماثلة في بعض الصفقات، وهم يقومون احيانا بتفتيش مستودعات الزبائن للتأكد من عدم وصول اسلحتهم الى طرف ثالث».
الضمانة المالية، بعد السياسية، سهلت اطلاق الصفقة، لكي ياخذ الفرنسيون بالاعتبار الاولويات السعودية المستجدة ماليا، بالاضافة الى تركيز الانفاق العسكري السعودي على حرب اليمن، من دون اغفال البعد الاقليمي لتسليح الجيش اللبناني والمتمثل بالحفاظ على التوازن المطلوب مع اللاعب الاقليمي الكبير: «حزب الله».
تمديد عمليات الدفع من خمس الى سبع سنوات، يسهّل، حسب المصدر نفسه، على المملكة دفع المستحقات التي ترافق ثلاث مراحل للتسليم: المعدات الاقل كلفة نسبيا والاسرع تسليما او تصنيعا في المرحلة الاولى التي تمتد من نيسان 2016 الى نيسان 2017. وتشمل هذه المرحلة تسليم المعدات الالكترونية، الخوذ، السترات الواقية، مناظير الرؤية الليلية، تجهيزات القوات الخاصة (معدات نزع الالغام وكاشفات الغازات السامة)، الزوارق السريعة، وشبكة اتصالات «تاترا».
المرحلة الثانية وتبدأ في 2018 وتمتد حتى نهاية 2019. وتشمل تسليم المعدات البرية من عربات مصفحة من طراز «شيربا»، صواريخ «ميسترال»، الذخائر، مدافع 155 ملم.
الثالثة، وتشمل المعدات التي تتطلب وقتا اطول للتصنيع، وتبدأ نهاية 2019، وتمتد حتى 2023 وربما اكثر، وتشمل المروحيات، ناقلات الجند، 3 زوارق من طراز «ادورا»، الواحد منها بطول 45 مترا وانظمة الرقابة والردارات.
الفرنسيون لم يتسلموا دفعة مالية جديدة، اذ أن السعوديين طلبوا منهم استخدام رصيد مودع في البنوك الفرنسية بقيمة 480 مليون يورو، لابرام الاتفاقات مع شركات التصنيع. وقد أنجزت شركة «اوداس» المشرفة على التنفيذ العملية المطلوبة منها. تم التوقيع للتنفيذ والتصنيع مع شركات «تالس» لصنع الردارات والصواريخ، «رينو تراكس» لصنع عربات «الشيربا» المدرعة، «ايرباص هليكوبتر» لصنع مروحيات «غوجر»، «نكستر» لصنع المدافع وشركة «النورماندي» الميكانيكية لصنع الزوارق الحربية.
في سياق اية استراتيجية دفاعية تندرج هذه الصفقة وهل كان بالامكان افضل مما كان؟
لن يتسلم الجيش اللبناني اية اسلحة هجومية لا جوا ولا برا ولا بحرا. الردارات التي سيتسلمها لن تكون متزاوجة مع نظام دفاعي صاروخي، والمروحيات برغم تعدد مهامها مبدئيا الا انها لن تكون اكثر من مروحيات لنقل الجنود (من 10 الى 20) فضلا عن ان عددها لن يتجاوز السبع مروحيات. لا مصفحات او دبابات مدولبة، كما جرى التداول بداية، وانما عربات مصفحة مطورة عن «هامفي» الاميركية، اقل تصفيحا، وباستثناء المدفعية الثقيلة، «سيكون الجيش اللبناني اقرب الى «سوبر» قوة حفظ نظام منه الى جيش قادر على الانخراط في إستراتيجية دفاعية» على حد تعبير المصدر الفرنسي.
سيدفع السعوديون 350 مليون يورو لتزويد الجيش اللبناني بسبع مروحيات «غوجر» التي جرى تصميمها في السبعينيات، وبدأ إنتاجها في الثمانينيات. النموذج الذي سيصبح بحوزة الجيش متعدد المهام، ينقل ما بين 10 الى 20 جنديا، وستكلف الواحدة منها 50 مليون يورو، وهي مزودة بقذائف لحماية المروحية، بتوجيه يدوي من الطيار.
لن يحصل الجيش على دبابات بل على مئة عربة «شيربا» لنقل الجنود مزودة بمدافع رشاشة عيار 12.7 ملم بقيمة مئة مليون يورو، وستصنّع شركة «نكستر» الفرنسية 24 مدفعا من طراز «سيزار» عيار 155 ملم مقابل 150 مليون يورو، اي 4 مليون يورو للمدفع الواحد الذاتي الحركة والمحمول على شاحنة «شيربا» مع طاقم من خمسة جنود، ترافقه شاحنة اخرى للتلقيم اليدوي بالقذائف.
وستصنّع «تالس» للجيش صواريخ «ميسترال» من الجيل الثاني (بطاريتان)، تحتوي كل منها على ثماني منصات، يديرها جندي واحد، وتحمل كل منصة صاروخين مداهما 4 كيلومترات تستهدف على الاغلب المروحيات، من دون تهديد الاختراق الاسرائيلي المتواصل للسماء اللبنانية. وستدفع السعودية ثمن المنصات ومعها 100 صاروخ «ميسترال» بقيمة 150 مليون يورو.

وستعيد «تالس» بناء القاعدة التحتية للرادارات العسكرية اللبنانية عبر ثلاث منظومات. الاولى، «ترافيك مانجمانت»، وهو نظام كلاسيكي ستزود به المطارات العسكرية، ويشبه في عمله نظام الرادار المدني في مطار بيروت لادارة النقل الجوي واقلاع الطائرات وهبوطها.
الثانية، نظام مراقبة الشواطئ وسيكلف ما بين 50 الى 60 مليون يورو.
الثالث والاهم هو «غراوند ماستر 200» للرقابة الجوية المركب من ثلاثة رادارات، تبلغ كلفتها مع المنظومة المدنية الاولى 200 مليون يورو. وسيغطي الاراضي اللبنانية كافة، ويبلغ مداه 300 كلم، وتمتد قدرته على ملاحقة الاهداف المحلقة حتى 100 كلم. هذا النظام لن يكون مرتبطا باي نظام دفاعي جوي حقيقي، وليس معروفا ما اذا كان قادرا على مقاومة التشويش.
صواريخ «ميلان» من الجيل الثاني المضادة للدروع، تسلم الجيش منها 47 صاروخا حتى الان، ومن المقرر ان يتسلم 100 صاروخ اضافي، كي يكتمل هذا الجزء من الصفقة. وبحسب المصدر الفرنسي، سيقوم الجيش الفرنسي، باخراج 100 منها من مستودعاته، لتسليمها الى الجيش اللبناني، من دون تحديد موعد حتى الان.
خاتمة العقود، ثلاثة قوارب، بدلا من اربعة كما كان مقررا في البداية، ستسلم في نهاية الصفقة، عندما تنهي شركة «نورماندي» تصنيعها، لقاء 200 مليون يورو، وستزود بمدافع من عيار 75 ملم، واخرى من عيار 30 ملم.
بند التدريب سيمثل 7 الى 8 في المئة من الصفقة اي ما يقارب 150 مليون يورو. الهبة ستمول الجزء الذي تفرضه الشركات على تدريب الكوادر على استخدام المعدات. اما عملية التدريب على الاستخدام التكتيكي للاسلحة والمعدات، فلن يدفع لبنان مقابلها شيئا بقرار رئاسي فرنسي، على أن تتولى ذلك وزارة الدفاع الفرنسية.
ويشيد الفرنسيون الذين رافقوا العملية التفاوضية، بالدور الذي لعبه الضابط اللبناني العميد مارون حتي، سواء في اختيار المعدات او الاصرار على عقد الصيانة الطويلة، وهو قرار مهم سيحمي مستقبلا ما تم الحصول عليه من اسلحة، ويطيل امد استخدامها، برغم ان عقد الصيانة الموقع يبلغ 450 مليون يورو من أصل الهبة، وهو رقم كبير جدا. ويبدو اختيار العميد حتي واقعيا جدا، اذ أنه يستبق اي تراجع حكومي لبناني عن الالتزام بموجبات الصيانة، كما يستبق اي تقصير حكومي لبناني في تمويل ما بعد الهبة.
اي مستقبل للصفقة؟ يجيب المصدر الفرنسي: «لدينا روزنامة دفع واضحة، قدمنا للسعوديين خريطة تقسيط تعكس التزاماتنا تجاه المصنعين، وهم التزموا بتسديد المبالغ المطلوبة خلال سبع سنوات، لكننا نعيش الان على المبلغ المدفوع، اي 480 مليون يورو، وندفع منه للشركات المصنعة، ولم نتلق أية مبالغ جديدة، بانتظار التسليم في نيسان المقبل».
هل هناك ثقة؟ يجيب المصدر الفرنسي «نعتقد ان السعوديين اتخذوا قرارهم وسينفذونه وهم وقعوا ويحترمون توقيعهم، الا اذا عرف لبنان بعض المشاكل».

***

الرياض تلزم باريس بأولوية مواجهة «الخطر الإيراني» لبنانياً
الهبة السعودية: تسليح الجيش أم مصادرة قراره؟
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-01-16 على الصفحة رقم 1 – الصفحة الأولى
صفقة الهبة السعودية للجيش اللبناني عن طريق فرنسا في الطريق الى التحقق. المفاوضات انتهت، الاتفاقات مع شركات التصنيع أُبرمت، بل إن عدداً منها تلقت الدفعات الأولى لإطلاق عمليات التصنيع واحترام رزنامة التسليم، والأرجح أن يختم الشهر الحالي على اكتمال الصفقات والاتفاقات، ودفع المقدم مع الشركات كافة، على أن تسلم الدفعة الثانية في الربيع المقبل، وتتضمن ألبسة عسكرية وأجهزة اتصال حسب مصادر فرنسية.
الأسئلة كثيرة إزاء صفقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الجيش اللبناني منذ الاستقلال حتى الآن. ففي سياق أية استراتيجية دفاعية تندرج، أو بسؤال أوضح، هل هدف «الأوصياء» هو مواجهة الخطر الإرهابي او الإسرائيلي أم «الخطر الإيراني»، وأية أولويات تعكس هذه الخيارات التسلحية، وهل كان بالإمكان أفضل مما كان؟
الإجابات متعددة، لكنها تفضي إلى «لا» كبيرة. فالواهب السعودي كبّل اللبنانيين بشروطه، واضعاً القرار السيادي اللبناني بيده، وفي خدمة حساباته الإقليمية، وعلى رأسها محاصرة «حزب الله» داخلياً، وإجباره على الانكفاء من سوريا، نحو لبنان، بأي ثمن.
لم يترك الواهب السعودي للبنانيين سوى حرية اختيار لائحة المشتريات المرتفعة الثمن مقارنة بما تعرضه أسواق الأسلحة، بلا انسجام بين مكوناتها، فضلاً عن عدم استجابتها للنقاش المستمر في لبنان حول الاستراتيجية الدفاعية منذ العام 2006 حتى الآن، حتى صح القول إن اللبنانيين كانوا محكومين بالذهاب الى سوق التسلح الفرنسي وحده، تحت سقف الخيارات السعودية، التي حوّلت الهبة الى هدية للفرنسيين عبر شراء أسلحتهم، أكثر مما هي هبة تلبي احتياجات المؤسسة العسكرية. ذلك أن البعد الآخر للهبة، يندرج أيضاً في إطار حرص السعودية على مكافأة الديبلوماسية الفرنسية، بصفقات السلاح، على خدماتها الكثيرة في التشدد خلال مفاوضات الملف النووي الإيراني، والتحالف من دون شروط في مواجهة الرئيس السوري بشار الأسد.
ولقد خيّمت «عقيدة التسلح» على مسيرة هذه الهبة، منذ السؤال الذي وجهه الملك السعودي الراحل عبدالله بن عبد العزيز لضيفه الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان في خريف العام 2013، «لماذا لا يمنع الجيش اللبناني «حزب الله» من تجاوز الحدود اللبنانية (اعتراضاً على تدخل الحزب في سوريا)، ليتولى سعد الحريري شرح قلة حيلة الجيش اللبناني، وهو ما دفع الملك الراحل إلى إصدار أمر ملكي بمنح مكرمة الـ 3 مليارات دولار من الأسلحة الفرنسية حصراً، حتى يتمكن جيش لبنان من الوقوف مستقبلاً في وجه «حزب الله»!
وكان بديهياً أن تكون الأهداف التسلحية للهبة انعكاساً لمزاج ملكي عدائي لإيران وأذرعتها الإقليمية، وأبرزها «حزب الله»، لأن القرار السياسي بالتسلح، وليس التمويل فحسب، بقي سعودياً إلى حد كبير، بدليل أن الهبة لم تستقر، بعد تعرجات وتعقيدات كثيرة، إلا بعد إعادة صياغتها من قبل فريق ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.. ودائماً بعد محاولة تبديد الهاجس الأكبر: التحكم ما أمكن بمستقبل هذه الأسلحة حتى بعد شرائها وتخزينها، وتسليمها إلى الجيش اللبناني.
وليس قليلاً أن يحصل السعوديون على ضمانات بتعطيل ما يمكن تعطيله عن بعد للمعدات، من دون أن يكون للبنانيين كلمتهم بالمناسبة، وهو ما يرهن للمرة الأولى جزءاً من الدفاع الوطني والقرار السيادي اللبناني لكبسة زر الحسابات الإقليمية السعودية، التي قد تتسع لتشمل أطرافاً أخرى ولا تتوقف عند «حزب الله». ولا توجد أي ضمانات بألا يطلب السعوديون تعطيل أي جزء من الأسلحة، مهما تدنت أهميتها، إذا ما تطلبت مصالحهم أو التطورات الإقليمية ذلك، ما يضع مفاتيح كل ما يحصل عليه الجيش بيد الواهب السعودي و «المفبرك» الفرنسي!
الخيارات التسلحية لا تحدد عدواً واضحاً ولا تعكس عقيدة متكاملة، ولا تستجيب إلا إلى همّ واحد: تجهيز الجيش كيفما اتُفق وبمكونات متناقضة الاستخدام والأهداف. فالجيش اللبناني لم يتسلم أية أسلحة هجومية، لا جواً ولا براً ولا حتى بحراً برغم أن الزوارق الثلاثة التي ستصنعها شركة اسكندر صفا («النورماندي») هي زوارق هجومية في الأصل، قبل ان يتم تعديلها، ونزع صواريخها، وتزويدها بمدافع 75 ملم و30 ملم. وهذا السلاح هو الوحيد الهجومي في الصفقة، لكن ليس مفهوماً تماماً كيف سيتم شراء 3 قوارب هجومية «كومباتينت اف اس 46»، بـ 200 مليون يورو، على أن تكون قادرة على تغطية جبهة البحر المتوسط بمدى 2600 ميل بحري، فهل يضع الجيش اللبناني احتمال شن حروب بحرية بهذا الاتساع؟
كما أن هذه الزوارق قادرة على تنفيذ هجمات بحرية سريعة وتتمتع بمزايا خفية وبضآلة بصْمَتها الرادارية، فلماذا يوافق لبنان على نزع تسليحها وهو ميزة تفوّقها، أي الصواريخ المخصصة لحماية الزوارق نفسها، الأمر الذي يهدد بتحويلها الى مجرد زوارق مكلفة.. للسباق البحري!.
إن هذه الزوارق التي جرى تصميمها في العام 2013 لم تجد مشترياً آخر غير لبنان حتى الآن، فما هو الدافع لشرائها برغم عدم تناسبها مع أهداف البحرية اللبنانية، وأبرزها غياب البنى التحتية للصيانة، وحاجتها إلى أحواض جافة غير متوفرة حالياً في القواعد العسكرية في لبنان.
الجواب أنه لم يجر استخلاص دروس حرب تموز لبنانياً، بقدر ما جرى استخلاصها إسرائيلياً، خصوصاً في ما يتعلق بالشواطئ وحمايتها، ففي 14 تموز 2006 دمر صاروخ «سي 802» (مداه 40 كلم) سفينة «حانيت»(طراز ساعر 5) الإسرائيلية قبالة بيروت، لتثبت المقاومة أنه بوسع صاروخ فعّال، وقليل الكلفة، أن يدمر سفينة حديثة وعالية الكلفة. وإذا كان صحيحاً أن المقاومة باتت تملك صواريخ «ياخونت» اليوم، كما تروّج إسرائيل، فالأرجح أن هذه الصواريخ التي يبلغ مداها 300 كلم، تشكل أحد الخيارات التي كان يمكن اللجوء إليها.
الرادارات التي سيتسلمها الجيش اللبناني لن تكون متزاوجة مع نظام دفاعي صاروخي، والمروحيات السبع التي ستحملها الصفقة، برغم تعدد مهامها مبدئياً، إلا أنها لن تكون أكثر من مروحيات لنقل الجنود (من 10 الى 20). وينبغي أيضاً مقارنة ما حصل عليه الجيش اللبناني من معدات، وما حصلت عليه جيوش دول أخرى، تشبهه حجماً ودوراً، كتونس مثلاً، من أجل محاولة فهم طبيعة صفقة المروحيات، وكيف تم التفاوض حولها، وينبغي النظر الى خيارات لبنان التسلحية من زاوية ما اشتراه الآخرون من أسلحة تستجيب لعمليات الدفاع، أو الهجوم، بشكل أفضل، ودائماً على قاعدة أولوية عنصر السيادة الوطنية.
فهل كان من الممكن، لو كان قرار الشراء لبنانياً، الحصول على تجانس في المعدات والوظيفة؟ الجواب نعم، وهذه بعض المقارنات على سبيل المثال لا الحصر.
لبنان يتسلم سبع مروحيات «غوجر» التي بلغ سعرها 350 مليون يورو، ومن المنتظر ان تستمر في الخدمة من 20 الى 30 سنة تبعاً لصيانتها.عند المقارنة، يتبين أن تونس اشترت بالسعر نفسه «سوبر غوجر» (300 مليون يورو)، لقاء ست مروحيات لنموذج أكثر تطوراً، بدأ تصنيعه في العام 2005، وهو قادر على حمل 28 جندياً ويحتوي على تقنيات أكثر تقدماً. العراق تعاقد على شراء 15 نموذجاً من المروحيات الروسية الناقلة للجند والمتعددة المهام بكلفة 15 مليون دولار للمروحية الواحدة، وهي تنقل 27 جندياً وصواريخ موجهة وحمولة 9 أطنان مقابل نصف الحمولة في «غوجر». وتستخدم مصر نماذج من الناقلات الروسية منذ السبعينيات، أي أن هذه المروحيات لا تزال في الخدمة منذ 45 عاماً، مع مواصلة الجيش المصري توفير صيانة عالية المستوى لأسطوله الروسي من هذه الطائرات.
الجيش اللبناني سيحصل على مئة عربة «شيربا» لنقل الجند مزودة بمدافع رشاشة من عيار 12.7 ملم. البرازيل، الهند، مصر، تشيلي تعاقدت أيضاً على شرائها. العربة الفرنسية نسخة مُحسّنة عن «هامفي» الأميركية وتكلف الواحدة منها مليون يورو. النسخة الأميركية الأقرب إليها هي «أوشكوش» وتكلف 470 ألف دولار، وتتفوق عليها بتصفيحها من الأسفل، ومقاومتها للعبوات الناسفة والألغام. هذه العربة استخدمتها دولة الإمارات على نطاق واسع في اليمن، وتعاقدت إسرائيل على شرائها ولجأ إليها الجيش المصري لقمع تظاهرات ميدان التحرير قبل خمس سنوات.
أما «نكستر» الفرنسية التي ستصنع 24 مدفع «سيزار» من عيار 155 ملم للجيش اللبناني، مقابل 150 مليون يورو (4 ملايين يورو للواحد)، فقد تبين أنها باعت 37 مدفعاً إلى إندونيسيا بقيمة 240 مليون دولار.
واللافت للانتباه أن «تالس» تأخذ بالاعتبار في تصنيعها للجيش اللبناني 100 صاروخ «ميسترال» (150 مليون يورو) أنها يمكن أن تستهدف على الأغلب المروحيات لا المقاتلات التي تحلق على ارتفاعات عالية جداً، من دون أن يكون للبنان غطاء جوي فعّال، او حقيقي، في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية الدائمة للأجواء اللبنانية. كما ستعيد «تالس» بناء القاعدة التحتية للرادارات العسكرية اللبنانية عبر ثلاث منظومات أهمها «غراوند ماستر 200» المركب من ثلاثة رادارات، وتبلغ كلفتها مع المنظومة المدنية الأولى 200 مليون يورو. غير أن هذا النظام لن يكون مرتبطاً بأي نظام دفاع جوي حقيقي، وغير معروف عنه ما إذا كان قادراً على مقاومة التشويش، وهو عنصر مهم جداً في عمليات التقصي الجوي، ولن يكون قادراً على التقاط الطائرات الخفية.
أما صواريخ «ميلان» من الجيل الثاني المضادة للدروع، فمن المقرر أن يتسلم لبنان منها مئة صاروخ إضافي، كي يكتمل هذا الجزء من الصفقة بعدما كان قد تسلم 48 صاروخاً في نيسان 2015. لكن 148 صاروخاً لن تكون كافية لرد تهديدات إرهابية من أي نوع أتت.
في السياق نفسه، نقلت وكالة «فرانس برس» تأكيد مصدر مقرب من وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان لكل ما أوردته «السفير» (عدد أمس) وقوله بوجود توافق فرنسي سعودي «على أن من مصلحتنا أن يبقى لبنان بمنأى عن الأزمة السورية»، وأن الوسيلة المفضلة لتحقيق ذلك «هي تعزيز المؤسسات العابرة للطوائف في هذا البلد بدءاً من الجيش اللبناني».
***