ديبلوماسية الاعمال: مصلحة فرنسا من مصلحة شركاتها الرائدة. والعكس صحيح‎


تحتل بعض الشركات مرتبة سفير فوق العادة لبلادها في الاسواق العالمية. وحتى الشركات المتعددة الجنسيات فهي قد ترمز في الكثير من الحالات الى بلد المنشأ او البلد الام، الى تقدمه العلمي والتكنولوجي والى قوته الاقتصادية وتميزه الثقافي والابداعي. في فرنسا على سبيل المثال، شركات كبرى، أبرزها مدرجة اسهمها في بورصة الكاك ٤٠، يتعاطى معها شركاء خارجيون وزبائن دوليون على انها حاملة للراية الفرنسية، كشركة النفط توتال، وشركة تالس للدفاع والالكترونيات وشركات رونو وبيجو للسيارات وشركة ايرباص الاوروبية لتصنيع الطائرات الخ. ومن موقعها هذا، تكون مسؤولية هذه الشركات ورؤسائها مسؤولية متعددة الجوانب ومنها الجانب الوطني بحجميه المعنوي والسياسي. فلا يمكن لها ان تفرط بذلك الجانب او اعتباره ثانويا بحكم تأثيره على صورة فرنسا المعنوية وعلى مصداقيتها السياسية ايضا.

ومن بين كبرى الشركات الفرنسية التي لها حضور تاريخي مباشر وكبير في اسواق الشرق الاوسط وخصوصا في دول الخليج، شركة تاليس الوريثة لشركة طومسن-ث.س.ف. (٢٠٠٠) والتي تعتبر من أكثر الشركات تقدما في مجال الالكترونيات العسكرية. ولهذه الشركة مساهمة مهمة في تمتين موقع فرنسا كشريك لعدة دول خليجية وعربية اعتمدت على معداتها وابتكاراتها وخدماتها في منظوماتها الدفاعية والامنية. كان ذلك في الثمانينات والتسعينات (عدة برنامج للدول الخليجية ومنها برنامج الثاقب لصالح الدفاعات الجوية السعودية وتجهيزات اساسية ضمن برامج صواري للبحرية السعودية) عندما فتحت امامها اسواق السعودية والامارات وغيرهما من بلدان الشرق الاوسط وساهمت كمورد انظمة دفاعية وامنية في برامج فرنسية لصالح جيوش دول المنطقة واجهزتها الامنية. واستمرت نجاحاتها باستمرار توطيد العلاقات السياسية بين باريس والعواصم العربية، وطالما التزمت طومسون بمهامها كمورد ومتعاقد من الباطن ضمن مشاريع كبرى يديرها مقاول رئيسي. لكن الامور تغيرت وبعد ان سطع نجمها خلال عقدين وأكثر من الزمن حيث ركبت بنجاح موجة البرامج الدفاعية والامنية الضخمة التي أطلقها شركاء فرنسا آنذاك، تراجع موقع الشركة الفرنسية الرائدة في قطاعها لدى تضعضع استراتيجيتها التجارية بقرارها اخذ دور المقاول الرئيسي في مشاريع ضخمة لا تحسن ادارتها او حتى هندستها اساسا، بدل الالتزام بدورها التي نجحت به كمتعاقد من الباطن وهي المصنع الرائد لمعدات متطورة في مجالات عدة كالرادارات والصونار الخ. وهذا ما حصل ببرنامج ميكسا لصالح وزارة الداخلية السعودية والذي تم الاتفاق بين باريس والرياض على ان يكون من حصة فرنسا بالتراضي، قبل ان تفشل الشركة الفرنسية بإقناع الشريك السعودي بهندستها للمشروع وبإمكانها على ادارته. وخسر بذلك الفرنسيون برنامج حماية الحدود السعودية والذي لم يحصلوا منه الا على الفتات. بالإضافة الى ذلك، لقد لجأت تاليس الى فرض منافسة غير حميدة ضمن الفريق الفرنسي الواحد، محرجة بذلك فريقها الصناعي والسلطات السياسية من خلفه، كما حصل على سبيل المثال لدى قرارها المشاركة في العرض لتوريد فرقاطات للإمارات العربية المتحدة مع من هو شريكها الطبيعي ناڤال غروپ ومع منافسه الهولندي دامن في الوقت نفسه وبشكل تكون فيه الافضلية للهولنديين… كذلك، حاولت تاليس في السعودية مقارعة مشروع فرنسي لتطوير منظومة الدفاع الجوي السعودي والقصيرة والبعيدة المدى والذي تقوده شركة م.ب.د.ا. ، فتم عمليا تهميش العروض الفرنسية بفعل التجاذبات الفرنسية-الفرنسية من قبل السعوديين الذين فضلوا فتح محادثات مع الولايات المتحدة لتزويدهم بالباتريوت ومع روسيا من اجل منظومة دفاع ارض جو متوسطة المدى… مما اضر بمصداقيتها وبمصداقية الفرنسيين لدى شريك اساسي لفرنسا في المنطقة ومصداقية الشركة لدى مراكز القرار في باريس ايضا.

كذلك من الاخفاقات التي تسجل على تاليس ايضا انها وحتى من اجل تجهبز الفرقاطات السعودية الثلاث من فئة ف-٣٠٠٠ والتي صنعتها ناڤال غروپ، لم تفلح بإقناع البحرية السعودية بنظام تتبع الاهداف الارابيل مما رجح كفة المنافس الايطالي ليوناردو. بالإضافة الى هذه الخيارات الاستراتيجية الخاطئة، كررت ادارة تاليس وفريق عملها في المنطقة الى تراكم الاخطاء التجارية الى حد وضع الشركة اكثر من مرة في مأزق قانوني قد يهدد مصالحها ومصالح شركائها الفرنسيين ومن خلالهم مصالح فرنسا. هذا ما حصل مع أحد شركائها في الامارات نبيل بركات والذي قرر مقاضاتها امام القضاء الاميركي مما قد يسبب لها ولمصالحها حرجا في المستقبل ويضعف صورتها المعنوية وصورة بلدها الام فرنسا. والاخطر من ذلك، تجاريا، قد يكون محاولتها احيانا فرض تقنيات وبرامج على زبائن فرنسا من دون جدوى مبينة بنظرهم او قد تكون غير ملحة بحسب اولويات شركاء فرنسا العرب والذين لا يفهمون ترويج تاليس مثلا لبرامج الذكاء الاصطناعي المعقدة بنظرهم او غيرها من التكنولوجيات المتقدمة والتي لا يرون افادة سريعة منها… وهم لا يقبلون ايضا محاولات الشركة الفرنسية التسويق لبرامج ومعدات لا تلبي تماما حاجاتهم العملانية. وبتضعضع استراتيجيتها التي ضمنت لها نجاحاتها السابقة، اهتز موقع تاليس في الاسواق العربية والخليجية، واهتزت معه مصالح القطاع الدفاعي الفرنسي في تلك الاسواق. وبذلك، يكون الخلل في استراتيجيات تاليس في الاسواق هذه أحد اسباب اهتزاز الثقة بالصناعات الدفاعية الفرنسية واحد اسباب ضرب مصداقية الفرنسيين العاملين في هذا القطاع. ويستغرب من يتعاطى في ابوظبي والرياض بمشاريع التعاون مع فرنسا ما يعتبره لامبالاة السلطات السياسية امام هذا الواقع، وعدم اكتراثها للمنحى السلبي الذي تأخذه علاقات التعاون بين باريس وشركائها العرب الاساسيين من خلال تهور تاليس في ادارة بعض المشاريع المشتركة المهمة، خاصة وإنها تعطي انطباعا عن انها تحبذ في تعاطيها مع السعودية والامارات وغيرهما ايضا منطق العمليات الخاطفة والضروب السريعة على الشراكة المستدامة. ويأمل شركاء فرنسا في الرياض وابو ظبي والقاهرة ان تأخذ السلطات الفرنسية على محمل من الجد امكانية خسارة حصصها في اسواق الدفاع العربية من خلال تضعضع استراتيجيات شركة عملاقة كتاليس، وان تبادر سريعا الى وضع حد للتهور الذي نشهده في تلك الاسواق من بعض القيمين على الشركة الفرنسية، وذلك حفاظا على مصالحها وعلى مصالح الصناعيين الفرنسيين وعلى صورة وعلاقات فرنسا مع شركائها.